أحمد بن محمد القسطلاني

139

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والمعتمد الحصول لأنه قد أتى بالمقدار الذي رتب على الإتيان به ذلك الثواب ، فلا تكون الزيادة مزيلة له بعد حصوله بذلك العدد ، أشار إليه الحافظ زين الدين العراقي . وقد اختلفت الروايات في عدد هذه الأذكار الثلاثة . ففي حديث أبي هريرة ، ثلاثًا وثلاثين ، كما مرّ . وعند النسائي من حديث زيد بن ثابت خمسًا وعشرين ، ويزيدون فيها : لا إله إلاّ الله خمسًا وعشرين وعند البزار من حديث ابن عمر : إحدى عشرة ، وعند الترمذي والنسائي من حديث أن : عشرًا ، وفي حديث أن في بعض طرقه : ستًا ، وفي بعض طرقه أيضًا مرة واحدة . وعند الطبراني ، في الكبير ، من حديث زميل الجهني ، قال : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلّى الصبح قال : وهو ثان رجليه : " سبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله إنه كان توّابًا " سبعين مرة ، ثم يقول : " سبعين بسبعمائة " . الحديث . وعند النسائي ، في اليوم والليلة ، من حديث أبي هريرة مرفوعًا : " من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مائة ، وكبّر مائة وحمد مائة ، غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر " . وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقات متعددة ، أو هو وارد على سبيل التخيير ، أو بختلف باختلاف الأحوال . وقد زاد مسلم في رواية ابن عجلان عن سميّ ، قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ، فقالوا مثله . فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } [ المائدة : 54 ] . قال المهلب : في حديث أبي هريرة : " فضل الغني " نصًّا لا تأويلاً إذا استوت أعمالهم المفروضة ، فللغني حينئذ من فضل عمل البر ما لا سبيل للفقير إليه ، وتعقبه ابن المنير بأن الفضل المذكور فيه خارج عن محل الخلاف ، إذ لا يختلفون في أن الفقير لم يبلغ فضل الصدقة ، وكيف يختلفون فيه وهو لم يفعل الصدقة ، وإنما الخلاف إذا قابلنا مزية الفقير بثواب الصبر على مصيبة شظف العيش ، ورضاه بذلك ، بمزية الغني بثواب الصدقات ، أيهما أكثر ثوابًا اه - . ويأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذه المسألة في : كتاب الأطعمة . ورواة حديث الباب ما بين بصري ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم أيضًا : في الصلاة ، والنسائي : في اليوم والليلة . 844 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : " أَمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ - فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ . اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " . وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا وَعَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا . وَقَالَ الْحَسَنُ : الْجَدُّ غِنًى . [ الحديث 844 - أطرافه في : 1477 ، 2408 ، 5975 ، 6330 ، 6473 ، 6615 ، 7292 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن يوسف ) الفريابي ( قال : حدّثنا سفيان ) الثوري ( عن عبد الملك بن عمير ) بضم العين وفتح الميم ( عن وراد ) بفتح الواو وتشديد الراء آخره دال مهملة ( كاتب المغيرة ) بالإضافة ، ولأبي ذر : كاتب للمغيرة ( بن شعبة قال : أملى عليّ المغيرة بن شعبة ) سقط : ابن شعبة في رواية أبي ذر والأصيلي ، ( - في كتاب إلى معاوية - ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية ، وكان السبب في ذلك أن معاوية كتب إليه اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فكتب إليه ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في دبر كل صلاة ) بضم الدال والموحدة وقد تسكن ، أي : عقب كل صلاة ( مكتوبة ) . ( لا إله إلا الله ) بالرفع على الخبرية للا ، أو على البدلية من الضمير المستتر في الخبر المقدّر ، أو من اسم : لا ، باعتبار محله قبل دخولها ، أو أن إلا بمعنى : غير ، أي : لا إله إلاّ الله في الوجود ، لأنّا لو حملنا : إلا ، على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا . وعورض : بأنه على تأويل : إلاّ ، بغير ، يصير المعنى نفي : إله ، مغاير له ، ولا يلزم من نفي مغاير الشيء إثباته هنا ، فيعود الإشكال . وأجيب بأن إثبات : الإله كان متفقًا عليه بين العقلاء ، إلاّ أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد ، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك ، وإثبات الإله من لوازم المعقول ، سلمنا : أن لا إله إلا الله ، دلّت على نفي سائر الآلهة ، وعلى إثبات الإلهية لله تعالى ، إلاّ أنها بوضع الشرع ، لا بمفهوم أصل اللغة . اه - . وقد يجوز النصب على الاستثناء أو الصفة لاسم : لا إذا كانت بمعنى غير ، لكن المسموع الرفع . قال البيضاوي في آية { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ } [ الأنبياء : 22 ] أي غير الله وصف : بإلاَّ ، لما تعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه . والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه ، حملاً لها على غير ، كما استثنى : بغير ، حملاً لها عليها . ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء ، ومشروط بأن يكون في كلام